عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

156

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

وأما مروءة أهل السوق فلها أيضا شرط ولكني ذكرت هذا الفصل في باب الاحتراف ولا حاجة لتكراره . أما أولئك القوم الذين وصلهم من صورة المروءة الجسد والروح فقد قلت إنهم أهل المعرفة والدين وفقراء التصوف ، الذين سمينا مروءتهم المعرفة والورع ، ولهؤلاء القوم مروءة أكثر من كل الأقوام ، لأن المروءة جسد الصورة والصدق هو الروح ، ولهؤلاء الروح يعنى الصدق ، ومن بعد حق أدب هذه الجماعة يأتي أولئك الذين هم أرباب معرفة الدين كالعلماء ، ومروءتهم أن تكون فيهم هذه الصفات وهي « 1 » : أن يكونوا ورعين في الكلام ، وصادقين في القول والعمل ، وثابتين في دينهم ، وبعيدين عن الرياء ، ويبرءون من البخل ، ومتعصبين في الدين ، ولا يجعلون أنفسهم متهمين بالحسد ، ولا ينافقون ولا يمزقون ستر إنسان من أجل أغراضهم ، ولا يفتون الفتاوى السخيفة الضعيفة حتى لا يجرؤ الناس بفتاواهم تلك على الحلف والطلاق ، ولا يشددون كذلك على الخلق في الفتوى ، وإذا وقع لعاجز سهو في الشرع ويستطيعون علاجه لا يبخلون ، ويعلمون بغير طمع ، ولا يعرضون زهدهم على الخلق ويعرفون بحسن السمعة ، ولا يلومون الفاسق على الفسق وخاصة أمام الخلق ، وإذا أرادوا أن يوبخوا أحدا فإنهم يفعلون ذلك في خفية عن الخلق ؛ لأن إسداء النصح للناس أمام الخلق ملامة وجفاء ، ولا يجترئون على دم أحد أبدا ولا يفتون ، ولو علموا أن ذلك الشخص مستوجب القتل ، لأنه يمكن تلافى الفتوى الخطأ إلا في القتل ، لأن الميت لا يحيا ، ولا يرمون أحدا بالكفر في التعصب للمذهب لأن الكفر خلاف الدين لا خلاف المذهب ، ولا ينكرون كتابا وعلما غريبا إذ ليس كل ما لا يعرفونه كفرا ، ولا يشجعون العامة على الإثم ، ولا ييئسون أي شخص من رحمة الله عز وجل ، وكل فقيه ومتعبد على هذه الصفة يكون رجلا وذا مروءة أيضا . أما آداب الفتوة والمروءة في طريق التصوف فقد ذكرها الأساتذة القدامى في رسائلهم وخاصة أستاذنا أبو القاسم القشيري - رحمه الله - فقد ذكرها في كتاب رسائل آداب التصوف ، وذكرها الشيخ الإمام أبو الحسن المقدسي في بيان الصفا ، وأبو منصور الدمشقي في كتاب عظمة الله ، وعلى الواحدي في كشف العيان ، وإني لا أستطيع أن أذكر تمام شرط هذه الطريقة في هذا الكتاب ، كما ذكرها المشايخ في الكتب الأخرى ، بحكم أن غرضى في هذا الكتاب إسداء النصح إليك وطلب إسعادك ، ولكني أؤدي شرط التنبيه حتى إذا ما اتفق لك مجالسة هؤلاء القوم لا تثقل عليهم ولا يثقلون عليك ، وسأشرح شرط مروءة هؤلاء القوم لأنه لا يصل إلى أية طائفة من العناء في الحياة بحق وحرمة كما يصل إلى هذه الطائفة التي ترى نفسها أسمى من كل الخلق ، وسمعت أن أول من كشف أصل هذا الطريق كان عزير النبي ، حتى بلغ تلك المكانة في صفاء الوقت ، فكان اليهود يقولون إنه ابن الله ، وسمعت أنه كان بأيام الرسول صلوات الله عليه اثنا عشر شخصا كان يقال لهم أصحاب

--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : واحدة .